جان لوئيس بوركهارت

270

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

القوم وريبتهم مرة لكان في ذلك حتفى آخر الأمر . ولم يكن في استطاعتي أن أجمع البيانات الدقيقة المفصلة عن المواقع الجغرافية وعن الأبعاد والمسافات إلا بتوجيه الأسئلة الصريحة إلى التجار ، ولكن أحدا منهم لم يشعرنى باستعداده للتفضل على بالجواب لوجه اللّه . أما شراء « 1 » هذه المعلومات فأمر كان من شأنه أن يجعلني حديث أهل المدينة كلها وهدفا للمزيد من فضولهم وتساؤلهم وقد كنت بينهم ظاهرا ملحوظا على غير ما أبغى . صحيح أنني حاولت مرارا أن أغرى بعض أهل سنار بالخوض معي في الحديث الودي ، فكنت أجلس إليهم وأملأ لهم قصباتهم من تبغى ، ولكنهم سرعان ما كانوا يسأمون أسئلتى عن أقطار الجنوب ويؤولونها أعجب تأويل . والحاصل أنني ما كنت لأستطيع جمع هذه المعلومات إلا من شوارد الحديث وأشتاته خلال مقام طويل بالإقليم . ولو أن القوم عرفوني أوربيا كما عرفوا بروس في الحبشة وبراون في دارفور لأفدت من فراغى أعظم إفادة دون أن أعرض نفسي لمزيد من الخطر . ولكن حالي كانت غير حالهما ، فقد أفلحت في كتمان أمرى ، وكان على أن أقطع رحلة محفوفة بالخطر ، ولم يكن لي أمل في بلوغ البحر إن أنا أثرت ريبة القوم في خطط أسفارى . تلك كانت عقيدتي الراسخة على أي حال . وأنا إذ أقرر أنني كتمت أمرى لست أزعم لنفسي قدرة خارقة على الكتمان ، إنما أدل القارئ على أمر كان يتوقف عليه نجاحى « 2 » ، وأضيف رجاء أوجهه إلى من سيتاح لهم السفر إلى هذه الأقطار ، فإذا سمعوا القوم يصفوننى بأنني من الإفرنج ، فلا يكن هذا داعيا يدعوهم لتكذيب سائر ما قصصت عن هذه الرحلة . فما من شك في أن الدراويين سيكشفون آخر الأمر هوية هذا الصعلوك الذي رافقهم في رحلتهم ، ولكن هذا لا ينفى أن أمرى كان مخفيا عنهم طوال الرحلة .

--> ( 1 ) زرت قسما من حوران - جنوب دمشق - مع قسيس يوناني ، فكان يتقاضانى بارتين عن كل جواب يدلى به إلى عن أي موضوع غريب ، وبارة عن اسم كل قرية أو قبيلة عربية أدونها نقلا عنه ، وخمس بارات عن كل مخطوط إغريقى أنسخه منه . ( 2 ) في رأيي أن الطريق إلى سنار ميسور للتاجر المسيحي أو الإفرنجى أو لأي شخص خبير أيا كان وطنه ، أما الدروب الخارجة من النيل إلى البحر الأحمر قيجب ألا يسلكها من لا يستطيع الظهور بمظهر التجار الوطنيين .